يوليو 4, 2026

منتدى سان بترسبورغ الاقتصادي الدولي… 27 عام استمرار في المسار

0
56475678567

مساهمة لموقع سيرياليزم

 

يتواصل في روسيا وعلى مدار العام عقد المنتديات والمهرجانات التي تحمل طابع اقليمي ودولي، غير متأثرة بالظروف المحيطة بروسيا، منذ بداية الصراع في أوكرانيا قبل عامين.

إذ وبعد الكم الكبير من العقوبات الغربية التي فرضت على روسيا ومحاولات العزل التي تمارس ضدها بغية تحويلها لدولة منبوذة في العالم، لا تبدو أن كل تلك المحاولات لم تنجح في تطبيق المطلوب.

وعلى أية حال من غير المنطقي وغير الوارد عملياً حجب روسيا، أكبر بلد في العالم بمساحتها التي تزيد عن 17 مليون كيلومتر مربع، وهي أيضاً الدولة التي تكاد تكون الوحيدة في العالم من حيث الإكتفاء الذاتي لكل احتياجات الحياة.

خلال السنوات الماضية، كان توجه الحكومة الروسية نحو تعزيز علاقاتها الدولية، خصوصاً إعادة زخم علاقاتها الدولية مع شريحة كبيرة من دول العالم على الحال التي كانت عليه خلال حقبة الاتحاد السوفييتي.

إن من أهم الأدوات التي ظلت موسكو تمتلكها لتحقيق هذا الهدف، هو الانضمام وتأسيس المنظمات ذات الطابع الاقليمي والدولي، بشقي الاقتصاد والسياسة، مع إيلاء مسأل تعزيز الأمن والسلم الدوليين أهمية قصوى، لتكون بذلك شعار لمرحلة جديدة في عالم متعدد الأقطاب.

فمن خلال ذلك، كانت فكرة عقد مؤتمرات ومنتديات ومهرجانات سنوية، تملئ أشهر السنة، إذ بتنا نجد اليوم جدول مواعيد المناسبات والمنتديات التي تستضيفها روسيا ممتلئ ويضاف إليه باستمرار.

خلال الأعوام الـ26 الماضية احتل منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي قمة المناسبات الدولية التي تجري في روسيا في صيف كل عام.

فالمنتدى الاقتصادي الدولي والذي يعقد سنوياً في مدينة سان بطرسبرغ التاريخية، ثاني مدينة في روسيا، والمطلة على بحر البلطيق، بات أحد أكبر وأهم الأحداث التجارية والاقتصادية في العالم، ويأتي عقد المنتدى هذا العام خلال الأسبوع الاول، في الفترة ما بين الخامس إلى الثامن من شهر حزيران المقبل.

فعلى مدى السنوات الـ 26 الماضية، عزز المنتدى مكانته كحدث دولي رائد يركز على القضايا الرئيسية المدرجة في جدول أعمال الاقتصادي العالمي.

لقد كان أساس فكرة إقامته هو تقديمه كمنصة متميزة للمشاركين لتبادل أفضل الممارسات والخبرات في مجال التنمية المستدامة.

منذ عام 1997 ظل SPIEF حدثاً دولياً هاماً، وقد تعززت مكانة المنتدى في عام 2005 بعد أن بات يُعقد برعاية مباشرة من الرئيس الروسي، والذي ومنذ عام 2005 بات حاضراً في كل حدث.

استمر عقد المنتدى بشكل سنوي، وبات يحقق نجاحات متتالية عام بعد عام، كما أنه تمكن من تجاوز فترة انتشار وباء كوفيد، وظل مناسبة هامة تجمع كبرى الدول الشركات الدولية، التي ترغب في تعزيز تواجدها الدولي والاستفادة من فرص الاستثمار اللامتناهية التي يوفرها بلد بحجم وإمكانات روسيا في كل المجالات وفي كل الاختصاصات.

ظل منتدى سان بترسبورغ الاقتصادي الدولي مساحة لا مثيل لها للحوار وإقامة العلاقات التجارية، نظراَ لتوفيره فرصة للعثور على شركاء جدد بهدف تأمين نمو الأعمال التجارية سواءاَ فيما يخص الداخل الروسي أو العالم ككل، فمن خلال المنتدى يتم توفير قدرات كبيرة للمشاركين في فعالياته لتوسيع دائرة العملاء والموردين، والالتقاء بصناع القرار الرئيسيين، حيث يتم طرح القضايا الملحة لتكون جزء من حلقات البحث مع صناع القرار لتجاوز أي عقبة تقف في وجه الازدهار الاقتصادي المتبادل، على أساس تقريب المسافة بين صناع الاقتصاد والتجارة من صناع القرار السياسي.

وإذا كان مبدأ استحالة فصل الاقتصاد عن السياسة حقيقة، كان لا بد من وجود منصة تمتلك قدرات وفرص لامتناهية تتيح المجال لتعزيز التعاون الدولي في مجالات الاقتصاد ودمج المصالح السياسية بالمكتسبات الاقتصادية، بحيث تضمن خروج كل الأطراف رابحة من هذه الصفقة.

وبما أن حدث سنوي بهذا الحجم، يحتاج لتغطية إعلامية ضخمة، فقد جذب المنتدى انتباه وسائل الإعلام ومستثمرين باتوا ضيوفاً سنويين، مع توافد ضيوف جدد لأعمال المنتدى في كل عام.

حيث أن لغة الأرقام هي من يحدد حقيقة الإنجاز، فيكفي القول أنه في منتدى العام الماضي (الدورة 26) شارك أكثر من 17000 ضيف من 130 دولة في فعاليات SPIEF 2023 سواء بالحضور الشخصي المباشر أو من خلال الانترنت عبر الاتصال المرئي والمسموع المباشر، وقد نجح المنتدى في إتمام التوقيع على أكثر من 900 اتفاقية بقيمة إجمالية بلغت 3.860 مليار روبل (حوالي 43 مليون دولار)، بما في ذلك 43 اتفاقية مع ممثلي شركات أجنبية، من بينها شركتين من إيطاليا وإسبانيا، وهذا الرقم يشمل فقط الاتفاقيات ذات الطابع الذي لا يشكل الإعلان عنها سراً تجارياً.

يشكل عقد المنتدى في دورته الـ27 هذا العام تحدي جديد لروسيا، يؤكد على استحالة تؤثرها بكل محاولات العزل والعقوبات الغربية التي، سعت عدد من الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة فرضها على روسيا، وذلك لمواصلة سلوك ذات سياسات الضغط المرتبطة بالأساس بالنظرة العدوانية التي يحملها الغرب بشكل عام ضد روسيا، في مرحلة لم يكن لدى موسكو خيار سوى سلوك سياسات ومنهج حركة يتوافق ويدافع عن مصالح البلاد وأمنها القومي، على الرغم من حقيقة تأثر الاقتصاد الروسي من تبعات العزل والعقوبات التي لم يسبق أن تم فرضها على دولة من قبل، إذ تشمل قائمة العقوبات الغربية على روسيا كل شيء تقريباً، حتى أنها لو فُرضت هذه العقوبات على الولايات المتحدة مثلاً، لانفرط عقد نجوم علمها الخمسين في البحر بعد أشهر فقط من فرض مثل هذه العقوبات.

خلال الأعوام القليلة الماضية شكلت قضايا كالبحث عن حلول لسلاسل التوريد، والوصول لموارد طبيعية جديدة تدعم الصناعات في العالم، ضرورات ملحة لتلبية الطلب العالمي المتزايد لتوفير المنتجات وبالتالي زيادة فرص العمل ورفع مستوى حياة الناس، والقضاء على الفقر، خصوصاً في دول غنية الموارد كدول القارة الافريقية ودول أميركا اللاتينية، والتي ظلت الولايات المتحدة وخلفها بقايا دول الاستعمار الأوروبي البائدة، تنهبها دون رادع، ومحولة إيها لساحة تجارب لجرائمهما.

واليوم لم يعد من المسموح مواصلة ترك المجال لهذه الدول العدوانية ممارسة الضغوط والابتزاز، فقد ظلت تستخدم سياسات العصا والجزرة مع دول العالم النامي، بحيث تمارس عليها الضغوط السياسية وتسلط عليها سيف الحظر والعقوبات، إن هي قالت لا في وجه الضغوط الغربية، ومن جهة أخرى تظهر صورة إنسانية لا تقل سخافة عن أسلوب سياسة فرض العقوبات على الدول، من خلال تقديم الفتات مما تسميه “مساعدات إنسانية” أو تسلط ضوء إعلامها على بعض مشاهيرها من ممثلين ومطربين وإعلاميين وهم يقومون بجهود “إنسانية” في الوقت يعيش هؤلاء أنفسهم أنماط حياة لا تمت للإنسانية والبساطة بصلة، في وقت نجد البشر في العالم يتعرضون للقتل أو القضاء ضحايا من جراء الأوبئة وجشع الغرب الاقتصادي، ناهيك عن هؤلاء اللذين يسقطون تحت أطنان من القنابل الأميركية، وهم يدافعون عن حقوقهم في وجه دول جسدت مفهوم جديد للعنصرية وإرهاب الدولة.

لقد باتت اليوم الحاجة لنظام عالمي عادل يعدل كفة الميزان، ضرورة ملحة لمنح العالم عقود جديدة من الحياة بسلام، ولذلك جاءت الحاجة لمزيد من نوافذ التواصل بين دول العالم التي تسعى نحو تعزيز استقلالية قرارها الوطني عن المجتمع الدولي المنحرف الذي ساد العالم في العقود الثلاثة الماضية، خصوصاً مع حقيقة تخلخل بنيان هذا المجتمع على وقع زلازل اختبار سقطت فيه كل قيمه الزائفة والتي باتت معظم الشعوب حتى داخل دول الغرب الأوروبي والولايات المتحدة مدركة لذلك.

إن حالة فقدان الوزن الذي بات يصيب الولايات المتحدة والدول الغربية التي تسير كالقطيع الأعمى باتت تشكل مسئولية لدول العالم، حتى تتمكن فيما بينها من تطوير نظرية فراغ جديدة، تعيد التوازن للساحة الدولية، وبالتالي فإن وجود منتديات وتجمعات دولية ذات طابع اقتصادي وأمني يجمع بين الدول التي تمتلك استقلالية قرارها بات واجب أكثر مما هو حدث سنوي عابر.

ومن خلال تضافر جهود مجموعة كبيرة من دول العالم في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية وحتى أوروبا نفسها، يمكن الوصول لغاية تنمية تعاون تبادلي المنفعة، ليس فقط فيما يخص التعاون مع روسيا كونها اليوم تحتل مرتبة متقدمة في العالم من حيث توفر فرص عديدة لذلك، كونها ظلت لعقود من أوائل الدول التي تواجه النفوذ الغربي، مما منحها حق الريادة في تحمل مسئولية إيجاد فرص تعزز مجالات التنمية والتعاون الدولي.

إن النظر نحو عالم صحي خالي من آليات فرض النفوذ، يتحقق من خلال تعزيز التواصل والتنسيق المشترك، المبني في الأساس على التشاركية والتقاطع في المصالح.

لذلك تعد المشاركة في فعاليات كالتي يوفرها المنتدى الاقتصادي الدولي في سان بترسبورغ، فرصة لإيجاد حلول لكل التحديات ذات الطابع السياسي والأمني، ناهيك عن كل ما له علاقة بالاقتصاد – من تجارة وتوفير مصادر للغذاء والطاقة، لأنها أساس لاستقلالية القرار الوطني للأمم، فدون تحقيق هذه العوامل ستظل الأمم خاضعة لنفوذ وجشع الدول الكبرى.

وفي ظل هذه الأجواء التي تسود العالم اليوم، يمكن الوثوق في نجاح روسيا في إيجاد حلول للتحديات التي يواجهها العالم، من خلال الأثر الإيجابي الذي برهنت السياسات الروسية على مدار العقود الثلاثة الماضية القدرة على لعب دور ريادي وسطي في إيجاد حلول وتوفير قنوات تواصل مع دول العالم في كل من آسيا ودول المحيط الهادئ والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وهنا بات SPIEF منصة دولية مثالية لتقديم فرص لعالم يبحث عن حلول تواجه مختلف التحديات التي باتت بفعل سياسات الغرب المنحرفة تهدد الوجود الإنساني وتودي بالثقافة والحضارة البشرية نحو الهاوية.

فمن لا يمتلك إرث من تراث وقيم وحضارة تمتد جذورها لمئات السنين، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يدعي صفة الريادة في عالم يسعى نحو العدالة والتوازن.

Share it...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *