عندما تأتي العقوبات بنتائج عكسية على فارضيها

إن عقوبات الدول الغربية التي كان من المفترض أن تجبر روسيا على الجثو على ركبتيها، يبدو وكأنها ستجلب بأوروبا إلى الأرض!

بشكل عام، فهذه اللعبة السياسية القذرة التي تسمى فرض العقوبات، كانت في الواقع لعبة أمريكية، صُنعت وتم إعدادها في الغالب لتكون وسيلة للتحكم والسيطرة على الدول التي تقول لا لواشنطن، ولكن في حالة روسيا، وهي ليست العراق، ولا إيران، ولا كوريا الشمالية، ولا سوريا.

فنحن نتكلم عن روسيا الدولة العملاقة.

اعتادت الدول الأوروبية أن تكون إلى الأبد كيس التمرين بين الولايات المتحدة وروسيا، منذ الأيام الخوالي، زمن المواجهة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في الحرب الباردة.

واليوم، ومرة أخرى، وكما هو الحال دائماً، أوروبا وشعوبها هم من يدفعون الثمن.

فقد وصل معدل التضخم في هذه الدول إلى أقصى حد له، وهي المرة الأولى في الدول الأوروبية التي يظهر فيها مثل هذا الوضع في تاريخها.

وفي ساعة إعداد هذا المقال، فقد بات كل 1 يورو مساوياً لـ 1 دولار أميركي، وهي المرة الأولى التي نشهد فيها ذلك منذ عام 2002.

يعلم الجميع أن أوكرانيا وقعت ضحية الوعود الكاذبة للدول الغربية التي تقودها الولايات المتحدة.

فأوكرانيا دولة مجاورة لروسيا، وهناك علاقة وثيقة بين شعبي هذين البلدين.

ولم تكن روسيا تريد أبداً تعرض أوكرانيا لحالة انعدام الأمن والسلام فيها، لكن أوكرانيا التي باتت فريسة لخداع الدول الغربية، وكانت مجرد وسيلة للوصول إلى أهداف الدول الغربية للاقتراب أكثر من الحدود الروسية، وهو الأمر الذي أجبر روسيا على القيام بعمليات خاصة على الأراضي الأوكرانية.

إن هذا ما كانت تتمناه الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة… نعم، بالفعل.

لم تدخر الدول الغربية أي جهد وخيار لاستهداف روسيا، بما في ذلك فرض العقوبات الاقتصادية والعسكرية والإعلامية والرياضية والثقافية.

لأنه كان هناك خطر من أن السيطرة على جميع برامج الناتو للأسلحة البيولوجية والمختبرات في أوكرانيا ستخرج من أيدي قوات الناتو وتصبح تحت سيطرة القوات الروسية، وهو ما حدث.

فقد تم الاستيلاء على ثلاث مختبرات للأسلحة البيولوجية من قبل القوات الروسية في منطقة زابروجي.

وفي المجال العسكري، فقد أرسلت دول غربية أسلحة خفيفة وثقيلة إلى القوات الأوكرانية، وتفيد مصادر موثوقة أنه تم إرسال الكثير ومعظمها في أوكرانيا.

فقد أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي السيد ينس ستولتنبرغ في خطابه الأخير عن إرسال 20 ألف مدفع و 4 أنظمة صواريخ وعدد كبير من منظومات الصواريخ المحمولة الحديثة.

تعتقد الدول الغربية أن هذه العقوبات ستدمر الاقتصاد الروسي وتعيده إلى حقبة التسعينيات.

لكنهم في الواقع غير مدركين أن الاقتصاد الروسي في ظل قيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعد ضعيفاً كما كان من السابق.

فقد درس القادة الروس أولاً جميع جوانب القضية ثم اتخذوا مجموعة من الإجراءات باتت معظمها ظاهرة للعيان.

وعلى عكس حالة أوكرانيا، لم يتأثر الاقتصاد الروسي سلباً؛ بل على العكس، فمنذ بداية الحرب، كسبت روسيا أكثر من 100 مليار دولار من تصدير وبيع النفط والغاز فقد، بينما لم يعد في أوكرانيا شيء يذكر.

كانت عقوبات الدول الغربية هي الأشد، من حيث انعكاس ضررها على الدول الأوروبية، مع وصول معدل التضخم في هذه الدول إلى أقصى حد له، وهي المرة الأولى التي يصل فيها لمثل هذا الحد في تاريخها.

وفي ميدان القتال، نجحت روسيا من تحقيق 70-80٪ من أهدافها المحددة مسبقاً.

ويقول الجنرال ستيفن تويتي، النائب السابق للقيادة الأمريكية في أوروبا في مقابلته الأخيرة: “أعتقد أن الحرب في دونباس ستنتهي لصالح الروس… فإذا نظرت – وأنا أتحدث عن الجزء الشرقي من دونباس على وجه الخصوص – فالروس بذلوا كل جهد ممكن للاستيلاء على المدن المتبقية في منطقة دونباس، مثل روبيجان وليمان وسورودونيتسك وليسيتشانسك، حتى أن بعض هذه المدن أصبحت بالفعل تحت سيطرة القوات الروسية”.

يواصل الحديث؛ “كما أعلن رسمياً، نعتزم إضعاف روسيا… على الرغم من أننا لم نحدد بعد معنى ماهية هذا الإضعاف المرجو.

وبالنظر إلى القوات الأوكرانية والروسية في الوقت الحالي، فهما تقريباً واحد لواحد.

الفرق الوحيد هو أن روسيا لديها قوة قتالية أكبر بكثير من الأوكرانيين.

لذلك، لا توجد طريقة يستطيع فيها الأوكرانيون هزيمة الروس.

نحتاج أن نفهم حقاً ما يعنيه مفهوم الاضعاف في النهاية.

أقول دائماً أن الأوكرانيون لن يتمتعوا أبداً بالقوة القتالية الكافية لطرد الروس من أوكرانيا.

فكيف ستكون نهاية اللعبة؟

إذا كنا نريد حقاً العودة إلى ما قبل 2014، فسأكون شخصياً مهتماً بمعرفة الحلول؛ لأنه من وجهة النظر العسكرية، فالأوكرانيون ليس لديهم القدرة على القيام بذلك وليس لديهم مثل هذه القوة القتالية”.

صرح الجنرال ستيفن في جزء آخر من مقابلته: “أريد أيضاً أن أذكر بأننا نسمع الكثير عن خسائر روسيا، ولكن لا يُقال سوى القليل عن خسائر أوكرانيا.

يجب التذكر أنهم فقدوا أيضاً لعتاد وجنود خلال هذه المواجهات، فهم يخسرون الحرب.

لقد بدأوا الحرب بـ 200,000 جندي، من يدري أين هم اليوم؟

علينا أن نقبل أنه ليس لديهم الوقت ولا الميزانية للعودة إلى ما قبل 2014”.

“نقطة أخرى يجب ملاحظتها هي أنه بالنظر إلى المكونات الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية، فإننا نواجه نقصاً حاداً في المكونات الدبلوماسية لحل هذه المشكلة.

واضاف “إذا لاحظنا أنه لا توجد حتى محاولة للاتفاق على أي مفاوضات، فلا توجد إذاً دبلوماسية.

ونظراً لحقيقة أن بوتين يشك في نوايا الدول الغربية، لذلك يبدو من غير المرجح أن يتم حل قضية أوكرانيا من خلال الحوار في أي وقت قريب، وإذا استمرت العقوبات ضد روسيا، فستكون الدول الأوروبية هي الخاسرة بكل تأكيد”.

بالتأكيد، يمكننا الكتابة ومتابعة هذه المقالة وإحصاء الخسائر في الجيش والمجتمع والاقتصاد، إلخ …

لكن على الرغم من ذلك، لا تزال وسائل الإعلام الغربية تدفع وتحتفل بأي خسارة قد تتعرض لها روسيا على الأرض، وهو أمر طبيعي الحدوث لأي دولة جيشها في الميدان، ومع ذلك، لا توجد كلمة يمكن إضافتها إلى ما قاله الجنرال ستيفن، وهو بالتأكيد، لا يعرف الحقيقة المحزنة.

فعندما تحتفل وسائل الإعلام الغربية بأي خسارة روسية، هناك 10 خسائر أخرى في الجانب الآخر.

يمكن للصورة أن تتحدث عن نفسها؛ ومع ذلك، فإن وسائل الإعلام الغربية ليست لديها الشجاعة للاعتراف بذلك، ويبدو أنها ستبقى عنيدة حتى النهاية، عندما تتلقى صدمة الواقع من الكرملين.

إنها الصدمة التي سيوجهها فلاديمير بوتين، والتي ستكون صدمة للنظام الغربي بأكمله.

Share it...
Live Updates COVID-19 CASES